ابن كثير
427
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع اللّه وأطاع الرسول كما أخبر اللّه عنهم في حال العرصات بقوله : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [ الفرقان : 27 - 29 ] . وقال تعالى : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [ الحجر : 2 ] وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا اللّه وأطاعوا الرسول في الدنيا وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا وقال طاوس ، سادتنا يعني الأشراف وكبراءنا يعني العلماء ، رواه ابن أبي حاتم أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي بكفرهم وإغوائهم إيانا . وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً قرأ بعض القراء بالباء الموحدة ، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة وهما قريبا المعنى كما في حديث عبد اللّه بن عمرو أن أبا بكر قال يا رسول اللّه علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال : « قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم » « 1 » أخرجاه في الصحيحين ، يروى كثيرا وكبيرا وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه وفي ذلك نظر ، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيهما قرأ . فحسن وليس له الجمع بينهما ، واللّه أعلم . وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا ضرار بن صرد ، حدثنا علي بن هاشم عن عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه في تسمية من شهد مع علي رضي اللّه عنه الحجاج بن عمرو بن غزية وهو الذي كان يقول عند اللقاء يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 69 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ( 69 ) قال البخاري « 2 » عند تفسير هذه الآية : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن موسى كان رجلا حييا وذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا وقد رواه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 9 ، ومسلم في الذكر حديث 47 ، 48 . ( 2 ) كتاب الأنبياء باب 8 ، وتفسير سورة 33 ، باب 11 .